محمد حسين علي الصغير

87

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

يكون القمر يدا ، ولا الجبل وجها ، ولا الغصن عينا ، ولا البان فما ، مراعاة المناسبة - إذن - ووضوح القرينة ، مانعان من الخلط المرتجل ، وضابطان من المجاز المشوه . لهذا كثر استعمال المجاز في لغة العرب شعرا ونثرا وصناعة من أجل توظيفه في شؤون الحياة الاجتماعية من جهة ، ومن أجل إضافة مخزون تراثي متطور إلى لغتهم المتطورة من جهة أخرى فعمدوا إلى المعاني الرائعة فنظموها في معلقاتهم قبل الإسلام ، ووقفوا عند الأغراض القيمة فصبوها بخطابتهم في الأسواق الأدبية الشهيرة ، فكان للمجاز أثره في الإبداع ، وللانتقال به إلى المعاني الجديدة بادرته في التجديد اللغوي والبلاغي في فن القول - حتى عاد المجاز بحق معلما بارزا في تراثهم ، بل ظلا شاخصا في حياتهم الأدبية ، فهو عندهم معني بالثروة الاحتياطية للمعاني ، والثورة الاحترازية للألفاظ . فالمجاز على هذا بخصائصه الفنية ثروة لغوية ، وثورة فنية ، هذه الثروة وتلك الثورة فيهما إشاعة روح اليسر والمرونة والسماح لتجاوز حدود الحقيقة اللغوية إلى ما يجاورها ويقاربها ، أو ما يضاف إليها إمعانا في الابتكار ، وصيانة للتراث من التدهور والضياع . ولقد كانت النقلة في خصائص المجاز الفنية ، نقلة حضارية وإنسانية إلى مناخ أوسع شمولا ، وأبلغ تعبيرا ، وأوجز لفظا ، والألفاظ هي هي في دلالتها الأولية . هذه الحقائق متوافرة السمات في كلام العرب منذ عهد مبكر ، ومصنفات الأعلام في المعلقات والأمالي والمنتخبات والحماسة غنية بأصول هذا الفن وبشائره الأولى في عصر ما قبل الإسلام وصدر الإسلام والعصر الأموي في الصناعتين . فإذا وقفنا عند هذا المعلم في القرآن العظيم وجدناه من خلاله : يشيع الحياة في الجماد ، والبهجة في الأحياء ، والحس إلى الكائنات ، ويحدب أيضا على سلامة الألفاظ في المؤدى ، وتهذيب العبارة في الخطاب ، وتنزيه الباري عن الأنداد ، وصيانة ذاته عن الجوارح ، وعلوه عن الحركة والمجيء والانتقال والتشبيه . وهنا يقترن الغرض الفني بالغرض الديني ، وذلك من خصائص التعبير المجازي في القرآن ، فإذا استدرجته تذوقا نطقيا ، أو تجاوبا سمعيا ، علمت